الابتزاز والتنمر الإلكتروني.. جريمة العصر الصامتة تهدد الأمن النفسي والمجتمعي
نشر بتاريخ: 09 يناير 2026 الساعة 11:11 صباحًاالمشاهدات:
35 مشاهدة
في زمنٍ أصبحت فيه التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد العالم الرقمي مجرد وسيلة للتواصل أو مصدراً للمعلومة، بل تحوّل إلى فضاء اجتماعي متكامل يترك تأثيرات عميقة على سلوك الأفراد واستقرارهم النفسي، وصولاً إلى تهديد مباشر للأمان المجتمعي.
ومع هذا التحول المتسارع، برزت أنماط إجرامية حديثة لا تعتمد على العنف التقليدي أو السلاح، بل تتخذ من الضغط النفسي، وانتهاك الخصوصية، واستغلال التكنولوجيا أدواتٍ لارتكاب جرائم تُعرف بـ«الجرائم الصامتة»، وفي مقدمتها الابتزاز والتنمر الإلكتروني.
تهديد يتجاوز الحوادث الفردية
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، في حديثه لـ«العربية.نت» و«الحدث.نت»، أن هذه الجرائم تجاوزت كونها حوادث معزولة، لتصبح تهديداً حقيقياً للأمن المجتمعي والرقمي.
ويشير رمضان إلى أن الآثار النفسية لتلك الجرائم قد تمتد لسنوات طويلة، مدمّرة مستقبل الضحايا، لا سيما النساء والأطفال، باعتبارهم الفئات الأكثر هشاشة والأقل قدرة على المواجهة أو الإبلاغ.
الذكاء الاصطناعي يعقّد الجريمة
وحذر الخبير من أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق (Deepfake) جعل الابتزاز أكثر تعقيداً، إذ بات المجرم قادراً على تصنيع محتوى مفبرك يبدو حقيقياً تماماً، يُستخدم لبناء سيناريو ابتزاز متكامل دون الحاجة لوقائع حقيقية.
وشدد على أن القضية لم تعد شأناً فردياً، بل تحوّلت إلى قضية أمن قومي رقمي تتطلب تضافر جهود الدولة والمؤسسات التعليمية والأسرة والإعلام لبناء ثقافة رقمية واعية تحمي المجتمع.
أدوات المبتز وسلاح الرعب النفسي
وأوضح رمضان أن أدوات المبتز الرقمي تشمل اختراق الحسابات، والهندسة الاجتماعية، والتلاعب النفسي عبر علاقات وهمية، واستخدام التزييف العميق، مؤكداً أن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في تنفيذ التهديد، بل في حالة الرعب النفسي المستمر التي تُفرض على الضحية، وقد تقودها إلى العزلة أو الانهيار النفسي.
كما بيّن أن التنمر الإلكتروني يُعد سلوكاً عدائياً متكرراً يهدف للإيذاء النفسي أو التشهير، وتتعدد صوره بين السخرية العلنية، وانتحال الشخصية، والتحريض الجماعي، لافتاً إلى أن المراهقين هم الشريحة الأكثر تضرراً، مع ارتباط مباشر بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق، وقد تصل بعض الحالات إلى الانتحار.
لماذا تُستهدف النساء والأطفال؟
وعزا الخبير التقني تركيز العصابات الرقمية على النساء والأطفال إلى عدة عوامل، أبرزها الحساسية الاجتماعية، الخوف من الوصم والعار، ضعف الوعي بالأمن الرقمي، وسهولة التلاعب العاطفي، محذراً من أن أي مستخدم قد يتحول إلى ضحية حتى دون ارتكاب خطأ، في ظل قدرة التقنيات الحديثة على تقليد الأصوات وصناعة الفيديوهات المزيفة بدقة مذهلة.
منظومة مواجهة متكاملة
من جانبه، وضع اللواء محمد عبدالواحد، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق ومدير مباحث الإنترنت السابق، خريطة طريق للمواجهة، مؤكداً أن التصدي لهذه الجرائم يتطلب منظومة متكاملة تقوم على:
وأكد عبدالواحد أن الإبلاغ المبكر يمثل «خط الدفاع الأول» لملاحقة الجناة ومنع تفاقم الجريمة، داعياً إلى عدم تحميل الضحية أي مسؤولية، وضرورة توفير الدعم النفسي كأولوية قصوى، خصوصاً للأطفال.
حق أصيل لا رفاهية
واختتم المسؤول الأمني حديثه بالتأكيد على أن معركة مواجهة الابتزاز والتنمر الإلكتروني تُدار بالتكنولوجيا وتُحسم بالقانون والدعم المجتمعي، مشدداً على أن الأمن الرقمي حق أصيل لكل فرد، وليس ترفاً في عالم باتت فيه الشاشات جزءاً من الحياة اليومية.