يد الشبح
نشر: بتاريخ 2023/03/03 المشاهدات:
224 مشاهدة

هذه ترجمة لقصة “يد الشبح” للروائية السويدية سلمى لاغرلوف، الحائزة على جائزة نوبل في الأدب في سنة 1909.

حين دقت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل قرع أحدهم جرس باب الدكتور. القرعة الأولى لم تعطي نتيجة ،لكن مع القرعة الثانية و الثالثة بدى أنه أمر هام جداً و خرجت الدكتورة كارين من باب المطبخ لتعرف مالخطب. كارين حاولت دون جدوى معالجة الأمر بنفسها و تأكدت بأنه لابد من ايقاظ الدكتور .

عادت لتطرق على باب غرفة النوم : انه رسول من خطيبتك دكتور ، يريدونك في الحال.

هل هي مريضة؟ سمعت الصوت مستفسراً من الداخل؟

لا يعرفون ما الذي ألمَّ بها ، يظنون بأنها قد رأت شيئاً ما!

طيب أخبريهم بأنني قادم.

الدكتور لم يسأل شيئاً آخر ، لم يكن يريد أن يسمع النمائم عن خطيبته .

شيء غريب عن تلك الخرافة قال في نفسه و هو يرتدي ملابسه . بيتهم هناك في وسط المدينة، خال من أية رومانسية.

بيت عادي جداً ، بيت قديم غير جميل ، مثله مثل كل البيوت التي في الحي، لكنه مسكون بالأشباح.

لو كان موقع البيت في مدخل مظلم أو على أطراف المدينة بعض الشيء في منطقة مليئة بالأشجار الضخمة ، حيث أغصان شجرة قديمة تستطيع أن تضرب زجاج النافذة في ليلة شتائية عاصفة!

لكن في هذا الموقع الذي فيه الآن في هذا الشارع العريض الذي يمتد حتى البحر و الميناء ! و فيها الكنيسة و مبنى بنك التوفير و الثكنة و معمل السكر تماماً بمحاذاة البيت!

لم يعتقد أحداً بأن معمل السكر بكل الصخب و الحرارة و بتلك الأفران الضخمة التي تغلي كل ذلك سوف تجعل الشبح يرتاح من البقاء هناك. لكن لا ، كل شيء بصورة أو بأخرى جعل هذا الشبح يستحق الاعجاب. انها الطاقة تلك الطاقة و القدرة العجيبة على البقاء حياً في ذاكرة الناس . كانوا يقرّون بأن الشبح لم يظهر لهم على مدى عشرون عاماً منذ أن انتقلت “الآنسات بورمان” إلى غرفة الشبح؟

لكن هل نسي أحداً ؟ فقد ظهر الآن . لذلك مرضت ايلين فجأة . لا بد أنها رأت شيئاً ما. خافت من شيء ما ، نعم ليس غريباً أن يكون الأمر كذلك. لربما قد أصبح رؤية الشبح كا القدر المكتوب لها وهي تعيش كل حياتها مع عمتاها العصبيتين العجوزتين. هناك بالتأكيد شبح في المنزل ، كانت دائماً تظن وتعتقد ذلك. لقد كانت حاملة معها هذا الاعتقاد في خيالها منذ نعومة أظافرها. مؤكدُ أنها لم تنسى لأنها كبرت الآن و وصلت سن البلوغ.

أول مرة كان الدكتور في زيارة لهن ، قالت له بزهو هذه غرفة الشبح بنبرة صوت و كأنها تشير إلى احدى مقنيات العائلة الثمينة. في هذه الغرفة ممنوع منعاً باتاً لعب الورق، حينها سأل الدكتور لماذأ؟

لأن بمجرد أن يحتال أحد اللاعبين أو أن يأتي بأدنى مراوغة سوف تظهر له” يد” على الطاولة!

أية يد؟!

يد عجوزة مصفرّة في أصابعها المتعرجة خواتم ألماس ثقيلة و معصم مغطى بقماش دانتيل أصلي . طيب و بعد ذلك ! ماذا؟

فقط لا يمكن رؤية شيئاً سوى اليد.

لكن كيف بدأت هذه المسألة كلها منذ البداية؟

لا أحد يعلم ، كانت دائماً تظهر هنا.

قالت ذلك بكل برود ، لكن من كان يعلم ، من كان يعلم؟ لابد انها كانت تؤمن بوجود الشبح.

هكذا يظهر انظر يادكتور انها تظهر خفية من على طرف الطاولة بالقرب ممن يلعب و تشير الى إحدى أوراق اللعب باصبع متعرج ضخم! و أظافر ذي مخالب حادة ملتوية.

لكنها مع ذلك اختارت غرفة الشبح لسكنها .

الدكتور بحث في كل المنطقة بمحاذاة مصنع السكر حيث كان العمل جار على قدم و ساق هناك طوال الليل. على الأقل علينا أن نفرح و لو لمرة واحدة بأن هذ المصنع الكبير المغطى بالدخان موجود هنا!

كان من السهل الاعتقاد أن يكون إيمانها بوجود الأشباح متأصلاً لو أنها نشأت و ترعرعت في مكان ريفي موحش منعزل ، لكنها سكنت دائماً وسط هذا الضجيج و الصخب .

استدار باتجاه زاوية مصنع السكر ،الرياح كانت تهب باتجاهه بشكل عادي طبيعي، ثم استدار الى المنزل.يالطيف انه أيضاً على وشك أن يفزع . هناك في الممر يقف شخص نحيف ملفوف بشال أسود! إنها العمة” مالين” لقد نزلت مستقبلة لانارة الدرج أمامه.

كيف حال إيلين ؟ سأل الدكتور.

لطفاً منك أنك قدمت الينا بهذه السرعة , قالت العمة مالين . لا أعلم ما الذي ألمّ بها ، تعال لتراها بنفسك.

صعدت الدرج شبه راكضة ، و هي في ذلك السن الكبير، العمة مالين على الرغم من ذلك وقفت في ذلك البرد في الممر بانتظاره. لقد كانت قلقة و كان تظن بأن خروجها لاستقباله سوف يسرع من أمر وصوله. الدكتور أخذ في حينها انطباعا حياً بأن هناك خطر ما قادم. سيكون من العار أن يحدث مكروه لتلك الشابة التي اختارها لتكون زوجة المستقبل . لم يلتقي طوال حياته بواحدة أفضل منها. معتدلة الجمال و دون أقارب سوى عمتاها العجوزتين. و بطبيعة الحال ذي تربية صارمة و تصلح ربة بيت جيدة و أمينة.

حين وصلا إلى البهو التفتت العمة مالين إليه وقالت: استيقظنا في منتصف الليل على صوتها و هي تصرخ بفزع شديد. ومن حينها لم نتمكن من تهدئة روعها و لم نستدل على فعل شيئ غير الارسال في طلبك لرؤيتها.

فتحت باب غرفة “إيلين” و أدخلت برأسها لتقول لها بأنه قد وصل. بعدها مباشرة دخلا الغرفة .

الداخل كان مضيئاً لتلك الدرجة التي كان صعباً عليه أن يرى شيئاً للوهلة الأولى. كانوا بالتاكيد قد أخذوا جميع المصابيح التي في البيت إلى تلك الغرفة. لم يستاء من ذلك و هو ينظر إلى تلك المرايا الجدارية الكبيرة المعلقة بين النوافذة و التي كانت ايلين قد اقتنتهم . ذلك الأثاث الأبيض القديم ،تلك الاضاءة كانت توحي بأن هذه الغرفة كان يوماً ما صالة للاحتفال، حين كان هذا البيت في أوج أيامها الخوالي البراقة .

على طاولة اللعب هذه كانوا يجلسون أيام زمان ، بيت عريق كان هذا السكن ، هناك كان يقيم علية القوم و كانت السعادة تعمّ المكان ، رجال الحاشية كانوا يقفون خلف مقاعد السيدات اللواتي تثرثر بجنون و الخدم تجوب المكان و يقدِّمون حليب اللوز على أطباق فضية. حينها كانت يد الشبح تُظهر نفسها . لابد أن ذلك كان مثيراً للعجب و الدهشة. السيدات تصرخ على الرجال الذين يغادرون الطاولة بصمت.

الأطباق الفضية تسقط من بين أيادي الخدم على الأرض. الرعب من قدرات خارقة فوق الطبيعية يرتسم على جميع الوجوه. هيئة الأشباح تغطي ملامحهم و كأنهم أشباه مجانين. لكي نتخيل منظرهم حينها ، كاف أن ننظر الآن إلى وجه خطيبته!

كانت جالسة في منتصف الغرفة في المقعد الخشبي . متصلبة تماماً في جلستها نظرت فيما حولها بنظرات غريبة ، كانت شاحبة مصفرّة الملامح و كأنه وجه شخص ميت. ترتعش و ترتجف و أسنانها تصطك ببعضها.

الكرسي كان قد نُقِلَ إلى منتصف الغرفة .كرسي مكشوف لا أثاث محيط به و لا شيء يمكن أن يختبئ تحته و من ثم يظهر للعيان فجأة.

لم تنتبه عليهما حين دخلا الغرفة كانت تنظر في اتجاه ثابت تماماً باتجاه ظل الخزانة الذي امتد متجاوزاً الزاوية التي فيها المدفأة . كانت تعتقد بأن الظل يخبئ لها مفاجأة مروعة. رفعت ثوبها إلى صدرها و كأنها تتأهب للهروب اذا تقلص الظل و ظهر كشئء آخر ، ربما يداً كبيرة بأصابع و أظافر كالمخالب .

حينها نقل الدكتور المصباح ليضيء زاوية الظل تلك فخارت مرة أخرى في مقعدها.

الآن جاءة العمة” بيرتا ” و رددت القصة نفسها التي قالتها العمة “مالين”.

لقد استيقظنا على صراخها و كأنها أصابت بمس من الجنون. و بقيت من حينها على هذه الحالة التي تراها. تريد فقط الاضاءة طوال الوقت تريد أن تكون الغرفة مليئة بالأضواء.لماذا ذلك ، ماسبب ذلك في اعتقادك؟

مرعوبة ، لا شيء سوى أنها مرعوبة، قال الدكتور هامساً.

الآن اتهجت بنظراتها لتراقب ما يمكن أن يأتي من خلف الستارة.

ألقى بنظرات متفحصة حول الغرفة ، ربما يكتشف الأمر الذي أرعبها. على طاولة الكتابة ورقة رسائل عليها بعض الحبر. كانت قد بدأت بكتابة شيئاً ما لكن القلم سقط من يدها و تدحرج على الورقة .

تذكرة كان قد أرسله لها في وقت متأخر من المساء ، كان يريد أن يعرف اذا هي و العمتان تردن الخروج معه في نزهة في اليوم التالي كانت موضوعة بجانب ورقة الرسالة تماماً.

كان واضحاً بأنها على الطاولة لكي تكتب جواباً له. جُلّ ما لحقت أن تكتب كان : ح-ب-ي- و فزعت و سقط القلم من يدها.

الدكتور لاحظ كيف نظرات العمتان تلاحقه ، كانا يتسائلان بالتأكيد كونه لم يقل شيئاً حتى حينها لإيلين. و لم يفهمان بعد بأنه مستغرب و أن أهم شيء هو أن يعرف ما الذي جرى لها و ما السر وراء رعبها لأنه لايؤمن مطلقاً بوجود يد الشبح كان ذلك أمراً مفروغ منه بالنسبة له.

مسكينة ، مثلما هي كانت مرعوبة : كان الخوف يملئ أثير الغرفة كلها . لا أحد كان ينكر في سره بأنها قد شاهدت شيئاً ما. أول شيئ يجب عليه فعله هو أن يُخرج الجميع من الغرفة ، العمة مالين العمة بيرتا و الصبية نفسها لكي لا يبقى الفزع على ما عليه في المكان.

أظن بأنها سوف تحدثني بكل شيء، اذا تحدثت معها على انفراد، قالت الدكتور و سرعان ماخلت الغرفة بهما.

سحب كرسياً و جلس إلى جانبها ، عجيب كم وجهاً يكون للانسان ! كان يتعذر عليه التعرف على إيلين و هي على هذه الشاكلة . كان معتاداً أن يراها هادئة تماماً و هذا الانطباع كان من صفات شخصيتها الرئيسية . كان مذهولاً من هدؤها الدائم .فنانة حقيقية في إرشاد عمتيها و هي بالكاد كانت تراهما يتشاجران من غرفة التطريز. ذات مرة خطر له أن يسهر هناك و رأها ، راى شخصها الجميل و هي جالسة على كرسي طاولة المكتب على ضوء المصباح و رأى عنقها العاري الجميل و يديها الناعمتين كانت الغرفة كلها مفروشة بالأثاث، بعد ذلك تقدم لخطبتها.

لكنها الآن شاحبة مرعوبة و هذا تحديداً ماكان لايريده. امرأة هستيرية ! فليحفظنا الله ، يحفظنا جيداً .

على أية حال عليه أن يفعل لها شيئاً الآن . لم يكن مهماً بالنسبة له أنها غاضبة عليه ، فكر فيها كمريضة و ليست كزوجة المستقبل.أخبريني إيلين ، ما الذي حصل؟

إيلين لم تجب.

عليك أن تخبريني بما حدث ، قال بحزم.

رمقته بنظرات ثابتة و كأنها لمحت بصيص أمل في الحديث له.

سوف تشعرين بالارتياح لمجرد أن تقولي ماحدث. قال الدكتور.

كان على عينينها الجميلتين المضيئتين اصابة. و كانتا دائماً مضيئتان اعتماداً على الشخص الذي كانت تحدثه. ربما انهما الآن أكثر لمعاناً ، لكن كان لهما ذلك البريق الذي لم يكن من ضمن ما كان يسعى إليه.

كان تعارك نفسها بعنف. لكي تستطيع ايقاف فكها السفلي من الارتجاف، كانت تضع منديلاً بين أسنانها لكي لا يُسمع صريرها و هي تصطك ببعضها البعض.

أخيراً سمعها و هي تقول بعض الكلمات. كانت جالسة تضرب يد بآخر و تفكر في صوت عال.علي أن أقول له ذلك ، عليّ أن أقول ، علي أن أقول، و إلا سوف تظهر مرة أخرى ، نعم سوف تظهر مرة أخرى.

ثم باشرت الحديث ، و هو بدى مكتئباً بشكل غريب . مثل ذلك الاحساس الذي يصيب شخصاً يخرج بلباس طويل يسير على الأرض ثم يهطل عليه زخات من المطر، حينها يشعر بأنه فقد كل كبريائه و قيمته.

اعترفت حتى بأنها لاتحبه، و أن السبب الوحيد وراء رغبتها في الزواج منه هو الانتقال من البيت .

لو لم يكن الأمر متعلق به لكان قد ضحك على ما تعانيه هذه الفتاة التي كانت ستوافق على أول رجل يتقدم لخطبتها ، كانت قد حزمت أمرها على التخلص من العيش في هذا البيت. ذلك لكي تتخلص من العيش مع عمتيها.، كانتا تحسنان معاملتها ، و لم تكونان على دراية بأنهما تُجلدانها.

نظرت إليه بأعين طائشة و كأنها تريده أن يفهمها أن يحس ببعض ما تشعر به.

بطبيعة الحال كان يعرف بأن عمتاها وهو الذي كان يهتم بأمرهما منذ سنوات طويلة ، شديدتان، شديدتان ، مليئتان بأفكار مسبقة ، مرعبتان حقاً. العمة مالين كانت دائما تتصرف و كأنها تنتظر حريقاً هائلاً سوف يحدث. العمة بيرتا كانت دائما تعتقد بأن سيارة سوف تدهسها في الطريق. كان يعرف حالتهما و لو أن “إيلين” بقيت معهما فسوف تصبح غريبة الأطوار مثلهما تماماً. و هي كانت على دراية بذلك.

لكنها كانت تريد أن تصبح انسانة قديرة . لقد طلبت منهما أن يسمحان لها بالعمل . لكنهما بالطبع لم تسمحان لها بذلك. و قد فهم بأن المخرج الوحيد لها من تلك الحالة كان عن طريق الزواج فقط.

لم يستطع الدكتور أن يمتنع عن سؤالها إن لم تكن خائفة أن يكون الزواج مع شخص لاتحبه ربما كان أسوأ لها من العيش مع عمتيها!

لا ، لا ، لن يكن أسوأ أبداً. الزوج غالباً ما يخرج من البيت لبعض الوقت، لكن العمتان دائماً في البيت.

الآن بما أنها فتحت قلبها له و تحدث بصراحة حين سألها ان لم تكن يوماً مغرمة به، هزت برأسها دليل الموافقة . ذلك كان أكثر مما كان يتوقعه.

طيب . لماذا؟ هل هو قبيح؟

لا أجابت و هي ترفع بعينيها-

هل هو ممل؟

أشارت بيدها بالنفي.

فما الغلط فيه اذاً؟

بارد.

ه-هه بارد.

الدكتور مشى بضع خطوات في أرض الغرفة، إنه شيء فظيع لايمكن انكار ذلك. أن تكون صبية مثلها فكرت بهذا الشكل . و دعته يقبلها دون أن تكنّ له أية مشاعر . و لم تخفق في تمثيل دورها أبداً. لقد كان بالطبع مخدوعاً . و مستاءً أن تكون صبية مثلها لم تكن توده حقاً .

بالطبع قد عانت من حياة بائسة مع العجوزتين. و يمكن تَفَهمَ ماكان يعني لها الزواج . كان بمثابة التحرر للحياة بالنسبة لها . لقد صارحت بكل ذلك دون اظهار أية شفقة. لم يخطر لها بأنها تجرح مشاعره. و كأنها كان تظن بأنه لا يتأثر أبداً ،و أنه صلبُ جداً.

صوتها خرج فجأة مثل الصراخ ” أتعلم قالت أن كل من يخدع و يزيّف في هذه الغرفة سوف تخرج له اليد. أنا رأيتها . كنت جالسة هناك ، هناك و التفتت بشدة تجاه طاولة المكتب . هناك رأيتها .

ألا تصدق أنني رأيتها؟ تابعت و هي تحدق النظر فيه . و كأنها تريد استنباط الحقيقة.

أخبريني ما الذي حدث تماماً, قال مهدئا.

تعرف بأنك كتبت لي هذا المساء و أنا كنت أريد أن أكتب لك الرد ، قبل أن أذهب للنوم. لكن حين جلست على طاولة المكتب، انتابني قلق و جلست طويلاً و أنا أفكر لأنني لم أكن أعرف ما الذي سأكتبه في مقدمة الرد . كان من المفروض أن أكتب “حبيبي” لكنني لم أرى بأن ذلك صحيحاً . كانت هي المرة الأولى التي أكتب فيها لك . كنت أرى بأنه أمر فظيع أن أكتب شيئاً مزيفاً، لايمت للحقيقة بصِلة. لكن أخيراً رأيت بأنني لا أستطيع أن أكتب شيئاً أقل.

هل هناك فرق كبير بين ما نكتبه و ما نقوله؟ تساءل.

أنت لم تسألني أبداً اذا كنت أحبك، فقط سألتني أن أكون زوجة لك. قالت.

أها ؟ هكذا إذاً. قال.

لكن في تلك اللحظة ، في تلك اللحظة التي بدأت بكتابة الكلمة ظهرت لي اليد ، جاءت زاحفة من على طرف الطاولة و أعتقد بأنني بقيت مذهولة أنظر اليها لبضع ثوان، قبل أن أدرك ماجرى. لم أصرخ مباشرة . لم أفهم بعد بأنه شيئ غير طبيعي . لكنها استقرت على الورقة و أشارت بأصابعها المتعرجة على تلك الكلمة .

أظن بأنها كانت فرحة و كأنها كانت ترتعش من الغبطة. و كأنها تريد أن تجذب الحروف إليها ، انها لعبة مزيفة و هي تريد المشاركة فيها.

جاءت زاحفة بتلك الأصابع الصفراء مثل عنكبوت كبير. حين تكون على عجلة من أمرها. منذ زمن بعيد لم يكن لديها أي سبب لكي تخرج للظهور . و الآن تتسارع في الخروج. امسكت القلم بتلك الأصابع الرطبة المعقودة، انها لعبة زائفة و هي تريد أن تشارك فيها.

أنا صرخت و كأن حية ظهرت لي ، حينها غابت عن الأنظار ، لا أعلم اذا كانت باقية هنا أم لا . أحس بأنها لازالت موجودة في الغرفة. اذا ظهرت مرة أخرى سوف أموت ! أكاد أن أموت.. أموت !

لا، يجب أن لا تعود ، قالت مواسية نفسها.

أعرف بأن هناك أمر علي عمله ، أضافت قائلة.

لا بد علي من عمله لكي لا تعود اليد مرة أخرى . ذلك أمر رهيب قاس فعلاً.

نزعت عنها خاتم الخطوبة و بأيد باردة مرتجفة وضعتها في يد الدكتور ، ثم انهمرت في البكاء من شدة مرارة الموقف.

الدكتور لم يقل شيئاً وضع أطراف أصابعه على بعضها لينتقل بالخاتم من طرف إلى آخر.

يد الشبح لم تجد صعوبة في الظهور لتقويم الخطأ فكر ملياً. اليد انحازت لصالحه و ثأرت له بعض الشيء، شعر بالتعاطف مع يد الشبح.

هكذا عادة مع غالبية الناس ، فكر في نفسه، الضمير دائما يأتي خلسة شيئا فشيئاً بطريقة أو بأخرى ، مهما حاول الناس الخداع ، له طرقه الصامتة الخاصة به . هكذا كان مع هذه الفتاة الشابة التي خطبها بعد ذلك كانت قد خططت كل شيء لكي يكون لها بيتاً مريحاً، ما كانت تحتاجه هو بعض النفاق فقط وتصبح سعادة الدنيا كلها من نصيبها. ثم يأتي الضمير خفية و بصمت يشق طريقة بعمق في الروح لكي ينفجر في نهاية المطاف. متجاوزاً كل الحسابات و الحكمة في لحظة واحدة.

نعم ، نعم، لقد كانت في ذلك الاعتقاد بأن في إمكانها العيش على الكذب كل حياتها.كانت بالطبع ترى بأن غيرها نجحوا في ذلك. لكن على ما يبدو أنها مختلفة فهي ذي معدن أصيل و تنتمي لنوع من الناس الذين لديهم ضمير حي، و أقل ما يتوقع لهم لمجرد خدعة صغيرة حتى تكون هلوسات الضمير حاضرة.

وبالطبع يظهر بتلك الصيغ المتوفرة التي في متناول اليد و كان من الطبيعي أن يظهر الضمير هنا على شكل يد الشبح في هذه الغرفة.

جلس هناك يتحسس ثقل الخاتم و ينقله من اصبع الى آخر ، كان يحس بشيء آخر غير الأذى لأنه لم يستطع كسبها. كان حزيناً تقريباً .

بدأت الآن تذكره بأنه لم يكن من العدل ماحدث له ، انحنت وقبلت يده، سامحني ، قالت.

كم بدت ناعمة بعد أن اعترفت بأن مافعلته لم يكن صحيحاً. و لم تكن تدرك ما الذي عليها أن تفعل لكي تتصالح مع نفسها . لم يعد هناك سبب في ايلامها أكثر و كان عليه فقط اخبارها بأنه لم في حالة أحسن منها بكثير بل كانا متساويين في الفعل و التبرير، أحدهما بحث عن بيت آخر للعيش فيه و الثاني أراد أن يحصل على مدبرة منزل و أحس بأن مجرد سماع ذلك منه سوف يهدّأ من روعها.

أراد أن يقول لها بأن ذلك لم يخلق لديه شعوراً بمرارة التقدير و أنه هو أيضاً لم يكن واقعاً في غرامها.

بالتأكيد لم يكن لديه أي مبرر كي يستمر في جَلْدِها. كان من الأفضل أن ينتهي كل شيء، أن يرتاح كل منهما و يستيقظان في اليوم التالي أحرار غير مخطوبين.

بدأ يقول لها أشياء غير مترابطة ، مثل أنها انسانة بضمير حي و تنتمي لعرق نقي من عصب الناس . و هذا مايظهر الآن هنا و هناك. باتت غالية عليه لأجل ذلك و لأجل ما حدث لها في تلك الليلة و صًعُبَ عليه أن يُفرّط فيها.

لقد أصبحت حرة بالطبع و لكن لو أنها تستطيع أو تريد.

نظر اليها مستوضحاً، إن كان ذلك لم يعذبها؟

الآن ذهب ذلك التشنج عن ملامحها و بدا الهدوء في عينيها. جلست بفم نصف مفتوح لتسمع المزيد.

تحدث عن الحياة التي يريد أن يعيش معها، عن اشتياقه لها ، تحدث بصورة مختلفة تماماً عن ما كان يتحدث منذ فقط نصف ساعة خلت. لكنه رأى أيضاً شيئاً مختلفاً تماماً الآن، حين تصور بأنه سوف يخسرها. كان حديثه أجمل بكثير عما كان يظن بأنه قادر عليه. العيش المشترك مع امرأة و حبيبة ناعمة . نعم في الواقع أن مجرد فكرة العيش معها سرَّ خاطره و أخصب خياله و هو يخبرها.

حين تقدم اليها و مدّ يده مصافحاً لتوديعها، أدمعت عيناه، كانت ناعمة جداً حينها. عاد اللون الجميل لوجنتيها . كانت مثل وردة تتفتح للتو .بدت فَرِحَةً مثل من ينجو من موت محتوم.

الدكتور وقف و يدها في يديه و استخلص استنتاجاته بسرعة غير مسبوقة.

هي بالطبع لم تفهم شيئاً مما يحصل. آه ، أخذ نفساً عميقاً. لقد زال كل الغم عنه و حل مكانه الفرح و نشوة الانتصار. فقط من خلال مجهود لمرة واحدة جاءه حبها. كانت فقط بحاجة لأن يُظهر لها بأنها تَهمهُ.

أخذ خاتم الخطوبة و ألبسها بثقة في بنصرها . لا حماقات الآن حين أرادت أن تسحب يدها.

لكني ، قالت لا أعرف ، لا أجرؤ.

أنا أجرؤ ، أنا ، قال الدكتور. لم أكن أبداً بذلك الشخص الذي يهرب من السعادة.

ذهب الى البهو ، عثر على معطفه و عاد كي يشعل سيجاره .

يا للمسكينة، قال و هو ينفث دخان سيجاره. أَنتِ الآن مثل المربوطة بالقيد و السلاسل كي تُحبيني على ما أظن و إلا ظهرت لك تلك اليد مرة أخرى لأخذ روحك.

المصدر: دربونة | Drbona
اقرأ ايضاً
© 2024 جميع الحقوق محفوظة الى دربونة